“و النفس المتعجلة سريعة السآمة والملل من طول النظر والتفكر في الأمور: وهذه غالبً ا لا تعطي العقل وقتً ا لتَفَكُّره وتأمُّله؛ فتستعجله ليحكم ويفعل، فتكون النفس مؤثرة في عدم إحاطة العقل واستيعابه للأمور، فيحكم بقصور، ثم يعمل بذلك”
“والعالِم يُدرك مِن أنواع وأجناس وأعداد المخاطَبين ما لا يُدرِكه غيره، فربَّما خاطب فردً ا وسمَّاه وهو يُريد غيرَه، وربما خاطب فردً ا وهو يُريد جماعة، وربَّما أحجم عن تسميةِ فرْدٍ يستحقُّ الردع؛ استصلاحً ا لغيره ممَّن يشركه في مُنكره مِن أهل العِناد، أو ممَّن يمدُّ له بسببٍ ونسبٍ؛ إغلاقً ا لمدخل الشيطان عليهم مِن الذبِّ عنه، والْتماس التأويل الباطل له؛ لاختلاط الهوى بالحق، فتكون حينئذٍ فِتْنة جماعةٍ بعدَ أن كانت فِتنةَ فردٍ؛ كما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعل مع بعض المنافقين مِن الأَوْس والخَزْرج، وهذا من البصيرة المذكورة في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف: 108).”
“وقد يكون الحق بيِّنً ا، وصاحب الباطل معاندٌ معروفُ العناد، فتَجِب محاجَجتُه، وبيانُ الحق لا له، بل لِمَن وراءَه ومَن يتابعه، فهذا أبو لهب حَكَم الله بعدم إيمانه، وقطَع بدخوله النار؛ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارً ا ذَاتَ لَهَبٍ} (المسد:1- 3)، ومع ذلك بقِيَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُحاجِجه وقومَه دهرً ا؛ لأنَّ المقصود قومُه في صورته؛ لكونه سيدً ا متبوعً ا.”